مشروع نيوم: الذّعر السّياسي والاقتصادي

تفيد التّحليلات الصّحفيّة لعمليّة الشّرطة التي حظيت بتغطية إعلاميّة كبيرة والتي استهدفت مؤخراً مركز الزّهراء في فرنسا وأعضائه، بوجود ضغط يمارس ضدّ الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة التي تتّهم زوراً برغبتها في إحداث الفوضى. مع الإشارة إلى أنّ عمليّات البحث هذه جديرةٌ بأن تكون إنتاجاً سينمائيّاً هوليودياً.

بالنسبة للبعض، الأمر يعود لرغبة التحالف الأمريكي-الصهيوني الوهّابي بإجبار الرئيس ماكرون على الانسحاب من الاتّفاق النووي الموقع مع إيران وذلك عبر ترتيب تدهور في العلاقات بين بلاد فارس وفرنسا عبر مشاريع زائفة من الهجمات على أرضنا. وليس سراً أنّ رئيس دولتنا كان يعارض دائماً وحتى الآن، خروج فرنسا من الاتّفاق، خاصةً بسبب المصالح الاقتصاديّة التي تربط شركاتنا مع إيران. إلاّ أنّ العقوبات والتّهديدات الأمريكيّة أجبرت عدة مجموعات من الشركات الفرنسية ك رينو وبيجو وتوتال على التخلّي عن عدة مليارات من اليورو في العقود المبرمة مع طهران، وهي خسارة فادحة بالنسبة لفرنسا ومواطنيها خاصةً في ظلّ الأزمة الاقتصاديّة الرّاهنة.

إذا كان رئيسنا يتخيّل أنّ مصالح الفرنسيين تتجاوز مصالح هذا التحالف الشرير فهو بالتّأكيد قد سقط في الهاوية. وعلاوة على ذلك، فإنّ المؤامرات السياسيّة التي كان ضحيّتها مؤخراً ترتبط بالتّأكيد برفضه الانصياع والخنوع لأولئك الذين يعتقدون أنّهم يصنعون دميتهم المطيعة. كما أنّ هناك سبب أخر لا أحد يجرؤ على ذكره، وهو مرتبط بمشروع نيوم الشهير والاستثمارات المحتملة التي ترغب فرنسا في الحصول عليها هناك. ففي الواقع، هذا المشروع الفرعوني التي تصل كلفته إلى 500 مليار دولار أمريكي لبناء مدينة مستقبليّة على ضفاف البحر الأحمر في الأراضي السعوديّة، وذلك تتويجاً لخطة “رؤية 2030” التي أطلقها النظام الملكي الوهّابي، يثير العديد من الرغبات من جانب الشركات الراغبة في المشاركة في هذا المشروع، ومن الطبيعي أن يكون من غير المعقول ألّا تشارك شركاتنا في هذا المشروع.

لنتذكّر جيداً أنّه خلال جولته الأخيرة في الغرب في الرّبيع الماضي، جاء وليّ العهد ومجرم الحرب الأمير محمد بن سلمان لتشجيع الشركات الغربيّة للاستثمار في بلاده ودعم مشروع نيوم. ووُقِّعَ يومها مع الرئيس الفرنسي ماكرون على اتفاقيات تجاريّة بين الشركات الفرنسيّة والسعوديّة بمبلغ يقارب 18 مليار دولار. بالتّالي، إنّ فرنسا تحتل مكانةً جيدةً في إطار هذا المشروع والعديد من الشركات الفرنسيّة في وضع يمكّنها من الاستثمار في مجالات متنوّعة مثل السياحة كمجموعة الفنادق الفرنسية (فنادق أكور)، الطاقة (مجموعة توتال) والتكنولوجيا الحيوية وفي مجال المياه، والغذاء، والرقميات، والترفيه، وحتى مجال الثقافة. كما نعلم أنّ موقع التنقيب الأثري في موقع مدائن صالح السعودي في محافظة العلا، والذي يعتبر أحد مواقع التراث العالمي التابعة لمنظّمة اليونسكو قد عُهد إلى فرنسا كجزء من خطة رؤية 2030.

يبدو أنّ السعوديين الآن في حالة فتور فيما يتعلق بالمشاركة الفرنسيّة في هذا المشروع، فهل هم يقومون بتأجيل مشاركتهم أم أنّهم يمارسون نوعاً من الضغوط؟ وقد قال دبلوماسي سعودي أنّ: “هناك العديد من المشاريع والفرص، لكن يتوجّب على الشركات الفرنسيّة أيضاً الموافقة على تحمل المخاطر معنا”، موضحاً أيضاً عدم فهم استعداد باريس لإنقاذ الاتفاقيّة النوويّة مع الإيرانيين بأيّ ثمن. لكن ما علاقة مركز الزّهراء في فرنسا وحزب ضدّ الصهيونيّة في كل هذا؟

إنّ الملايين من مستخدمي الإنترنت حول العالم، بعد مشاهدة فيديوهاتنا وقراءة مقالاتنا ومتابعة مؤتمراتنا حول موضوع نيوم سوف يفهمون جيداً ما حقيقته. والنّظام السعودي بالإضافة إلى حلفائه الصهاينة ودول الأطلسي الذين هم جزء من هذا المشروع يعرفون بالضبط ماهية هذا المشروع.

في الواقع كما تعلمون، كنّا ندين ولشهور عديدة مشروع  نيوم، الذي تمّ شرح قضاياه الحقيقيّة الواضحة والمخفيّة مما يعرّض المصالح الرئيسيّة للخطر من وجهة نظر اقتصاديّة وأمنيّة. ونظراً لتزايد جمهورنا والحماس الذي أثاره عملنا حول هذا الموضوع في جميع أنحاء العالم، كان من المؤكّد ردّة الفعل هذه ضدنا من قبل مروجي هذا المشروع. الذين يفضلون البقاء في الظل كما هو مقرّر لهم من قبل محرّكي الدّمى، بالتأكيد لم يكونوا مقدّرين أنّ مركز الزّهراء في فرنسا وحزب ضدّ الصهيونيّة سيكشفان عن نواياهم الشريرة في وضح النهار.

من المؤكد أنّ السلطات الفرنسية كانت تتعرّض لضغوط “للقيام بهذه الخطوة” وهو ما يفسر تدخّلها البارز الذي كان وسيلة لتلبية المطالب الوهابيّة الصهيونيّة ومحاولةً للحفاظ على العقود الخياليّة التي تجعلها تشارك آل سعود في مشروع نيوم.

في الواقع، إنّ الصِّلَات التي تربطنا مع إيران ليست إلا ذر للرماد في عيون الرأي العام الساذج، وذلك من قبل الصحفيين الهواة الذين غمرهم الرهان والسبب الحقيقي لكل هذا السيرك الإعلامي: مشروع نيوم