بيان رسمي: العدالة تجري بحسب أوامر السّياسة

تقودنا قضيّة بينالا وعمليات التفتيش المتعدّدة التي لحقت بمركز الزهراء في فرنسا في الأشهر الأخيرة وحزب “فرنسا المتمرّد” وكذلك ظهور العديد من السترات الصّفراء في محاكم الجمهوريّة، لأن نسأل أنفسنا بجديّة عن المبدأ الدستوري الأساسي ألا و هو: فصل السّلطات.

من الناحية النظريّة، تنص المادة 64 من الدستور على أنّ رئيس الجمهوريّة هو الضامن لاستقلال السلطة القضائيّة. لذلك ينبغي ألّا يكون هناك أيّ تواطؤ بين السّلطة التنفيذيّة والسّلطة القضائيّة.

لكن ينبغي أيضاً أن نعرف أنّ رئيس الجمهوريّة يحتفظ بسلطة تعيين قضاة محترفين وفقاً للـ (المادة 13 من الدستور، المادتان 26 و 28 من الأمر القضائي الصادر في 22 ديسمبر/كانون الأوّل 1958). إضافة إلى ذلك، حدّدت المادة 5 من الأمر القضائي الصادر في 22 ديسمبر/كانون الأوّل 1958 أن: “يتموضع المدعين العامين تحت توجيه وإشراف رؤسائهم الهرميّين وتحت سلطة وزير العدل،… وأن يتكلّموا في جلسة الاستماع بشكّل حر”.

تجدر الإشارة إلى أنّ هؤلاء القادة الهرميّين هم المحامون العامون وهم المحافظون المعيّنون من قبل مجلس الوزراء. وباختصار، يخضع المدّعون العامّون الذين يملكون سلطة إجراء التحقيقات إلى السّلطة الهرميّة التابعة لوزير العدل الذي يخضع هو نفسه لسلطة رئيس الجمهوريّة. وبالتالي، فمن الواضح أنّ هناك عدم توافق مع المادة 64 من الدستور الذي ينص على ضمان استقلال السّلطة القضائيّة والمادة 16 من إعلان حقوق الإنسان والمواطن التي تؤكد على مبدأ فصل السّلطات.

في الواقع، يُخبروننا في فرنسا أنّ العدالة مستقلّة، لكن هل القضاة حقيقيون؟

في الحقيقة، هم قبل كلّ شيء بشر ومن المنطقي أن يجرؤ عدد قليل منهم على معارضة الإدارة السياسيّة لمسؤوليهم الهرميّين وأن يخاطروا بتعريض حياتهم المهنيّة للخطر. وكلّ هذا يدلّ على أنّ الفصل بين السّلطة التنفيذيّة والسّلطة القضائيّة هو محض خيال ويقوّض بشكل خطير نزاهة العدالة.

نضيف إلى ذلك حقيقة أنّ القوانين الجديدة المعادية للإرهاب تعطي الإدارة سلطة القول دون اتخاذ تدابير قسريّة ودون إصدار حكم وبالتالي تؤدّي إلى سيطرة السّلطات الإداريّة (المحافظين) بشكل أكبر مما يضرّ بالسّلطة القضائيّة (القضاة)، فلا يمكننا إلا أن نقلق بقوّة بشأن حدوث أيّ اندفاعات بهذا الشأن. فعلى سبيل المثال، نذكر أنّ قرار إغلاق قاعة الصلاة في مركز الزهراء في فرنسا قد تمّ قبل أن يتمكّن المركز من التعبير عن موقفه والدفاع عن نفسه.

يؤسف حزب ضدّ الصهيونيّة أن يشهد ما حدث في “بلد حقوق الإنسان”  الذي حارب شعبه كثيراً من أجل حريّته، وما زال يفعل ذلك في هذه اللحظة، لدرجة أنّنا ننزلق أكثر نحو دولة بوليسيّة لا يمكن للعدالة أن تأخذ مجراها فيها على الرّغم من القرارات التي تصدرها السّلطة التنفيذيّة. فمن أجل الحصول على استقلال حقيقي للعدالة، سيكون من الضروري البدء في قطع الرابط الهرمي بين المدّعين العامّين ورؤسائهم. فهذا الإجراء يمكن أن يمنع العديد من التجاوزات وسيضع حداً لهذه العدالة ذات المستويّين المتوفّرين في العديد من الحالات الحديثة، حيث من الواضح أنّ المتقاضون غير متساوين أمام المحكمة وذلك حسب ما إذا كانوا جزءً من طبقة النّخبة الحاكمة أم لا. فعلى سبيل المثال، في حالات مشابهة لحالة طارق رمضان الذي قضى عدّة أشهر في الحجز بتهمة الاغتصاب المتعمّد، في المقابل كم من السياسيّين المتّهمين بالاعتداء الجنسي لم يتمّ سجنهم في الماضي؟ وهناك الكثير في انتظار محاكماتهم (دارمانين، ترون، بيير جوكس، كريستوف أريند، وآخرين).

دعونا لا نتحدّث عن الفضائح السياسيّة التي تستهدف كبار المسؤولين حيث تستغرق التوجيهات سنوات وتؤدي إلى أحكام أكثر تساهلاً بشكل غير محدود مقارنة بالمواطنين العاديّين. فقد حان الوقت كي تستعيد مؤسّسة العدل المقدّسة استقلالها عن السّلطة السياسيّة وأن تمارس مهمّتها بنفس الطريقة تجاه جميع المواطنين، سواءً كانوا أغنياء أم فقراء أو معارضين سياسيّين أم موالين للنظام.