هل ستكون سوريا أرضاً لحربٍ روسيّة أمريكيّة؟

عبد الباري عطوان، المحرر البارز في جريدة الرأي اليوم، يناقش التهديدات الأمريكية الأخيرة بضربات عسكرية على مواقع الحكومة السورية، بما في ذلك في دمشق، مضيفاً أنّ موقف موسكو من هذه النقطة يشير إلى احتمال مواجهة بين روسيا والولايات المتّحدة.

من يُتابِع تَصريحات الرئيس السوري بشار الأسد في الأيّام القَليلة الماضِية والتَّحذيرات الروسيّة المُتزايِدة من احتمال استغلال القِيادة الأمريكيّة “لذَريعة” اسْتخدام قُوّات الجيش السوري أسلحة كيماويّة في الغُوطة الشرقيّة، يَصِل إلى قَناعَةٍ راسِخة بأنّ تَطوّراً عَسكرياً خطيراً في الأزمة السوريّة باتَ وَشيكاً، والمَسألة مَسألة أيّام أو أسابيع مَعدودة.

أمّا سيرغي لافروف وزير الخارجيّة الروسي فأبْدى قَلقاً وسَخطاً بِشأن تَهديدات الولايات المتّحدة المُتزايدة بِشَنّ ضَرباتٍ عَسكريّةٍ ضِد سورية، مُؤكِّداً أن بِلاده ستتَّخِذ التّدابير اللازمة في حال إقدام أمريكا على شَنّ ضَربات ضِد الحُكومة السوريّة ومَواقِعها لأن الأعمال الإجراميّة يُمكِن أن تُهدِّد حياة المُستشارين الرُّوس المُتواجِدين في دِمشق، ومواقِع وزارة الدِّفاع السوريّة.

ما يُمكِن اسْتخلاصه من كَلام لافروف الذي صَدر في بَيان رسمي عن وزارة الخارجيّة، أنّ أي ضَرباتٍ أمريكيّة يَجري التَّخطيط لها، ستَستهدف العاصِمة السوريّة دِمشق، ووزارة الدِّفاع ومُؤسَّسات عَسكريّة أُخرى فيها مِثل مَقر قِيادة الجيش السوري، الذي يَتواجد فيه مُستشارون عَسكريّون روس جَنباً إلى جَنب مع نُظرائِهم السُّوريين.

وهذهِ هِي المَرّة الأولى التي تُشير فيها القِيادة الروسيّة إلى هذهِ الأهداف بالاسم مُنذ بِداية الأزمة قبل سَبع سنوات، وتَوجِّه مِثل هذهِ الرسائل التحذيريّة في الوَقت نَفسِه.

على مَدى الأسبوعَين الماضِيين والقِيادة الروسيّة تُبدِي أعلى مشاعِر القَلق من مَعلوماتٍ قالت أنّها مُؤكَّدة، وصلت إليها حَول احتمال إقدام فصائِل مُعارِضة مُسلَّحة على “أعمال استفزازيّة” تتمثَّل في استخدام أسلحة كيماويّة، وإلصاق التُّهمة بالنِّظام السوري لتَبرير أي ضربة أمريكيّة.

وكان لافِتاً أن الجِنرال فاليري غيراسيموف، رئيس هيئة أركان الجيش الروسي، عَزّز هذهِ النَّظريّة أمس بالإعلان عن اكتشاف مَعملٍ لتَصنيع أسلحةٍ كيماويّة في بَلدة افتريس بعد استعادَتِها من سَيطرة المُعارضة في الغُوطة الشرقيّة في الأيّام الماضِية.

القِيادة الروسيّة تَملك مَعلومات مُؤكّدة حول احتمالات خَرق واشنطن لكُل الخُطوط الحُمر. وتَوجيه ضربات جويّة ليست استعراضيّة مِثلما حدث في مطار الشعيرات قُرب حمص، يُمكن أن تُؤدِّي إلى مَقتِل العَديد من مُستشاريها.

من ناحيةٍ أخرى، أعلنَ الرئيسُ الرّوسي قبلَ أسبوعين في كلمتهِ السنويّة بأنّ روسيا سَتَردّ على أيّ عدوانٍ ضدّ حلفائها، وليس من الصعب معرفة أنّ حلفاءها هم سوريا وكوريا الشمالية.

لا نَستبعِد أن يُقدِم الرئيس ترامب على هذهِ الحَماقة، فالرَّجُل مَعروفٌ بِتهوّره. وعَزلِه ريكس تيلرسون، وزير الخارجيّة، وإحلال مايك بومبيو، اليميني المُتطرِّف والعُنصري مكانه، يُعزِّز الآراء التي تَقول أنّه باتَ مُحاطاً بوزارة حرب ووزراء يُؤيِّدون تَهوّره في إلغاء الاتفاق النَّووي مع إيران.

أدلى مُستشار الأُمم المتحدة للشُّؤون السوريّة، أمس بِتَصريح غير مَسبوق تَنبّأ فيه بأنّ الحَرب في سورية سَتشهد معارِك طاحِنة في تزامُن مع دُخولِها العام الثَّامِن، وشَخص في وظيفته لا يُمكِن أن يُطلِق هذا الكلام جُزافاً ودون الاستناد إلى مَعلومات حَول خُطط أمريكيّة جاهِزة في هذا الشَّأن.

هذا التَّشديد الروسي على اتّخاذ التَّدابير اللازمة لمُواجهة أي عُدوان أمريكي يَعني للوَهلة الأولى أن الرَّد قد لا يَقتَصِر على اعْتراض صواريخ أمريكيّة، بَل ربّما تستهدف القُوّات الأمريكيّة المُتواجِدة في شَمال شرق سورية، خاصَّةً إذا سقط بعض المُستشارين الرُّوس ضحايا نتيجة الهُجوم على دِمشق والقواعِد العَسكريّةِ فيها.

الحَرب في سورية تَعود إلى الواجِهة بشَكل أقوى مع دُخولها العام الثَّامِن، ومن الواضِح أن الإنجازات التي حقّقها التَّحالف الرُّوسي السُّوري الإيراني على الأرض على حِساب التَّراجُع الأمريكي باتت مُهَدَّدة، لأن الرئيس ترامب يَقْرَع طُبول الحَرب، ويَرْفُض القُبول بالهَزيمة، ويُعيد النَّظر في استراتيجيّات بِلاده في هذا المِضمار.

مَرّةً أُخرى نقول أنّنا لا نَملك بلّورة سحريّة، ولا نَقرأ الفنجان، لكنّنا نتكهّن واستناداً إلى الوقائِع، وقراءة ما بين السُّطور، بأنّ المَشهد السُّوري مُقبِلٌ على تَطوّرات خَطيرة، وأن صِراع الإرادات وعَض الأصابِع بين بوتين ومُعَسْكَرِه من ناحية، وترامب وحُلفائِه من ناحية أُخرى، قد بَدأ..

Commentaires