لو لم تكن داعش موجودةً، لكان علينا أن نوجدها! (ريشتارد لابيفيير)

في سوريا ، من الممكن لداعش أن تتقدم في المناطق الصحراويّة للرقة وتدمر لجعل المدن تحت نظر التحالف.
في سوريا ، من الممكن لداعش أن تتقدم في المناطق الصحراويّة للرقة وتدمر لجعل المدن تحت نظر التحالف.

في سياق دولي متقلّب ومتجزّأ تميّز باختفاء تدريجي للقيادة الأميركية، وبازدياد عدد المشاركين في الأحداث ونهاية التّحالفات المستقرّة، يزداد تعقيد تشكيل الخطر الإرهابي. كيف تمّت معالجة ظاهرة الإرهاب من قِبَل القوى الغربيّة وحلفائها؟ كيف يمكن تفسير التناقض بين إعلان الحرب الشاملة ضدّ الإرهاب المتمثّل بمنظّمات مثل مجموعة الدولة الإسلامية، أمّا عمليّاً، فهي مجرّد حرب ضعيفة ضدّ الدولة الإسلاميّة؟ لماذا تمّ استبدال سياسة حلّ الأزمة بمنطق الحفاظ على الأمن وإدارة وصيانة هذه الظروف؟

يجيب ريتشارد لابيفيير- الخبير في القضايا الدولية والاستراتيجية، والصحفي الفرنسي المختص بشؤون الشرق الأوسط ورئيس تحرير مجلّة معهد الدراسات العليا للدفاع الوطني- لجريدة الشرق اليوميّة:

قمت في 27 أيار 2015، في جنيف، بتنظيم مؤتمر حول الإرهاب تحدّثت فيه عن “التهديدات القديمة” ولكنّها “تحدّيات جديدة”. فماذا يعني ذلك؟

لقد كانت النقطة الأولى بالنسبة للتّهديدات القديمة هي إظهار الأصول التّاريخيّة الصّحيحة لداعش. فلطالما أكّد المراقبون على قولهم بأنّ داعش وُلِدت في العراق. ولكن قبل العراق، استلهمت هذه المجموعة من أساليب وفكر الإسلاميّين الجزائريّين المسلّحين (الجماعة الإسلامية المسلحة (GIA))، الذين كانوا يمثّلون إرهابيي العقد الدموي بين 1988 و 1998، (قتل وتّعذيب من أجل إستعادة الخلافة). فبالنسبة لنظريّة القتل وأيديولوجيته، فإنّ هؤلاء الإسلاميّون يشكّلون أسلاف داعش. الآن، وبشأن التحديات الجديدة التي تواجه التهديد الإرهابي وتحوّلاته، فقد مررنا بعدّة مراحل: العزلة الدولية لدول مثل الجزائر التي واجهت الإرهاب وحيدةً في ذلك الوقت، ثمّ فترة بعد 11 أيلول في الوقت الذي تضرّرت فيه الولايات المتّحدة على أراضيها، حيث تمّ شن الحرب ضدّ الإرهاب وأصبحت قضيّةً العالم بأكمله. ثمّ فترة الثورات العربية وحتى يومنا هذا، إنّ الحدث الأكبر الذي يمكن ملاحظته هو إدارة الأزمات. إننا ندير التهديد الإرهابي دون محاولة حلّه أو القضاء عليه. لقد أصبحت إدارة الأزمات طريقة للحكم.

‣ كيف تنعكس إدارة الإرهاب اليوم في الشرق الأوسط؟

لنأخذ مثالاً على هذا الكلام، قمّة مكافحة داعش التي استضافها فرانسوا هولاند في باريس في حزيران. أولاً، لم تتم دعوة إيران، الدّولة الكبرى في محاربة داعش. ثانياً، فرنسا هي جزء من التحالف الذي يضمّ نحو خمسين بلداً. واجه هولاند المشاركين في المؤتمر بقوله: إنّ مكافحة داعش ستكون طويلة عملياً (كذلك إدارة الفكرة)، مع الأخذ بعين الاعتبار أيضا بأنّه يجب أن لا نغيّر استراتيجيتنا لأن هذا الحلف هو الأنسب. ولكن أي جيش يعلم بأنه لا يمكن القضاء على تنظيم كداعش بالقصف الجوّي فقط. إنّه مبدأ في الاستراتيجيّة العسكريّة. في مثل هذه الصراعات، إذا لم يتم نشر قوات برية للدخول بمواجهة مباشرة (كما فعلت فرنسا في مالي، عند القتال المباشر بين القوات الخاصة والجهاديين)، فإنّ ذلك لن يجدي نفعاّ.عندما يصل الأمر لداعش،فإننا في هذه المعادلة الشهيرة: لا نحل المشكلة بالقرارات في الجبهة العسكرية ، وإنما نعالج المشكلة على المدى الطويل وبطريقة محدّدة، لنصنع النّصر. في هذه المرحلة بالذات ، يقول خبير في البنتاغون بأنه إذا كنّا نريد حقا التغلب على تنظيم الدّولة فيجب أن يكون لدينا 10000 جندي على الأرض، ونفتح جبهة المعركة الحاسمة وتُحل القضية. ولكن اليوم، فإنّ قرابة نصف طائرات التحالف تعود الى قاعدتها مع قنابلهم التي لم تطلق يمكننا أيضا أن نأخذ مثلاً تنظيم القاعدة، الذي من الممكن الاستفادة منه في بلد ومقاتلته في بلد آخر. مثلاً يدعم في سورية، ويقتل زعماؤهم في اليمن 2-3 خلال يوم. كل هذا يدل على أن هناك المزيد من سياسات الشرق الأدنى والأوسط بنيت لأنه لم تعد مركزية للولايات المتحدة اليوم. عليك وضع البرنامج الجيوسياسي في المستوى الذي يليق به. لقد نسينا أنه في بداية ولايته الثانية، أشار أوباما إلى ما يلي: يقبع مستقبل المصالح الأمريكية في آسيا والمحيط الهادئ وآسيا الوسطى. ولم يعد يمر عبر التحكم بالشّرق الأوسط ولكن عبر ما يسميه زبيغنيو بريجنسكي : أوراسيا، كما يُقال، طرق ماركو بولو، من البندقية الى فلاديفوستوك. هذا سبب أنّ الأولوية، قبل حل كل قضيّة على حِدة من أزمات الشرق الأوسط، يجب تطبيع العلاقات مع إيران والسّعي للحصول على صفقة نووية. الهوس الأمريكي اليوم هو احتواء الصين وعودة روسيا كقوة إقليمية في اتفاقية استراتيجية مع بكين. ثم تنشأ هذه الأولوية من المواقف في منطقة الشرق الأوسط التي سوف تكون مختلفة حسب الأوضاع. […]

‣ أنت تعتبر بأنّ “الإرهاب” أصبح أعلى مرحلة من مراحل العولمة، هل تعتقد بأنّ هذا التطوّر في علاج الظاهرة مرتبط بتحوّل النّظام الرأسمالي؟

نعم، إنّ الخوف من الإرهاب هو جزء من منطق العولمة الإقتصادية وذلك لأنّ مكافحة الإرهاب تولِّد ملايين فرص العمل في مجال صناعة الأسلحة، والاتصالات… الخ. إنّ الإرهاب أمر ضروري ليطوِّر النظام الرأسمالي نفسه في الأزمة، ولكن هذا يتطلّب إعادة النظر في إدارة الأزمة بشكل مستمر. إنّ فكرة الإدارة هذه دون وجود حل محدّد لها نفس طبيعة فكرة إعادة توزيع رأس المال. في مقاله اللامع، الحصّة الملعونة، أوضح جورج باتاي في ذلك الوقت عام 1949 أن أي إعادة تشكيل لرؤوس الأموال تتطلّب مشاركة في النفايات والتي أطلق عليها اسم الاستهلاك، واليوم يمكننا القول بأن الإرهاب هو ذلك الجزء من ” الإستهلاك ” المرتبط عضويّاُ بتطوّر الرأسماليّة العالميّة. إذاً لو لم توجد داعش لكان علينا أن نوجدها. فهي تعمل على استمرار نمو الميزانيّة العسكريّة، والملايين من فرص العمل والتعاقد مع المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، في مجال الاتصالات، في التطوير من المتعاقدين، الخ. لقد أصبح الأمن وصيانته قطاع اقتصادي في حد ذاته. هذه هي إدارة الفوضى البنّاءة. اليوم صناديق كبيرة، مثل جوجل، تحل محل الدولة والشركات الكبرى كموارد ماليّة من أجل الاستثمار والأبحاث في القطاع العسكري الأمريكي من خلال تمويل مشاريع الروبوتات والطائرات البحريّة والجويّة. كلّ هذا يغيّر المجمع الصناعي العسكري الكلاسيكي ويجلب الكثير من المال. ومن أجل هذا التحوّل فإن الإرهاب هو ضرورة مطلقة، ولن يتم القضاء على داعش بل سيتم الحفاظ عليها لأنها تخدم جميع هذه المصالح. ونحن هنا لا نقع في نظرية المؤامرة، بل هو حقيقة واقعة عندما نتفحّص تطوّر الاقتصاد.

‣ ما هي النتائج المترتّبة على هذا المنطق؟

إنه من المشجّع خاصّة معرفة أن من المسببات أسباب اجتماعية خلف ظهور الارهاب. لا يقال بشكل كاف بأن المنخرطين في صفوف داعش والذين يتقاضون راتب هم من الطبقة العاملة المحرومة في طرابلس (ليبيا) ، أو من مناطق أخرى يعيش فيها الشعب في فقر مدقع لعدّة أسباب منها تطوّر العولمة مما يضعف هذه الدول ، والسياسات الاجتماعيّة ، والطبقات الأكثر حرماناً في حالة صراع للبقاء على قيد الحياة مما يزيد الوضع تعقيداً. من دون الحد من مسببات هذه الظاهرة لمسبب واحد ، فإن التطوّر الضعيف و الفشل الاقتصادي ما يزال يعتبر سبب مهم لانتشار داعش. وكرد فعل، تستمر الولايات المتحدة الأمريكيّة بإفلاس دول الساحل الإفريقي الصحراويّة وتعزّز خلق دويلات على شكل مافيات صغيرة.إن هذا التحليل الأمين والمنطقي يظهر بأن المال اليوم هو العامل الرئيسي في العلاقات الدوليّة. إن السبب خلف كون المملكة العربيّة السعوديّة وقطر أهم شركاء الدول الغربيّة هو امتلاكهم للمال والذي بمنطقهم البدويّ فإنّ السعودي يعتقد أنّ ” المال يمكنه أن يشتري كل شيء”. وأصبح المال بديلاً عن الأسلوب السياسي في العلاقات الدوليّة فهو البيانات الرئيسية ووجهة إدارة الأزمات.لذا نجد الحجم الغير متناسب للسعودية وقطر ولإمارات والكويت في قلب إدارة الأزمات للشرف الأوسط .عندما نرى السعوديّة تغدق بالفضّة على السنغال، والسنغال بدورها ترسل 200 جنديّ إلى اليمن نشعر عندها بقيمة المال. ونرى أيضاً كيف أنّ السباق من أجل المال يشرح الدبلوماسيّة الفرنسيّة الجديدة.

‣ وهذا يعني؟

في زمن الجنرال ديغول وفرانسوا ميتيران، كان الحديث حول السياسة العربيّة لفرنسا، بينما اليوم نتحدّث عن السياسة السنّيّة لفرنسا. فالدبلوماسيّة الفرنسيّة اليوم ملتزمة بالمصالح السعوديّة، وذلك لأنّ فرنسا تبيع الأسلحة وطائرات الإيرباص في الرياض والكويت والإمارات… والتي تشكّل 35 بليون دولار في الصناعات الثقيلة للاقتصاد الفرنسي. هذه هي التجارة الدبلوماسيّة، حيث يتم استبدال البعد الاستراتيجي للمصالح الوطنيّة والأمن الوطني بالسباق من أجل المال. وحتّى النخب الإداريّة والسياسيّة لم تعد تتكلّم من أجل الدفاع عن المصلحة الوطنية إنّما دفاعاً عن المصالح الشخصيّة فقط. فالمال أصبح يشرح أسباب استقالاتهم وخياناتهم الفريدة. وفي هذا السياق فإنّ  مفهوم حريّة الرأي لديهم قد تمّ تبسيطه لفكرة أن تكون أو لا تكون “تشارلي”، فإن كانت الرقابة لوسائل الإعلام الرئيسيّة ليّنة اليوم فمن الصعب انتقاد والتحقيق مع السعوديّة وقطر.

تدير الدبلوماسيّة الفرنسيّة مدرسة المحافظين الجدد الفرنسيّة الذين تخلّوا عن السياسة والتوجّه الدولي، وجعلوا قيم حقوق الإنسان واجهة لسباق مصالحهم الماليّة.

هذه المقابلة بتقديم لينا كنوشة ، جريدة الشرق اليوميّة.

المصدر: جريدة الشرق اليوميّة

Commentaires