مستقبل مخيب للآمال في تونس

بعد سبع سنوات من ثورة الياسمين“، والتي شهدت تحرّك الشعب التونسي ضدّ نظام بن علي، وقعت البلاد بخيبة أمل، كما يتّضح من عدة حركات احتجاجية صبغت بداية شهر كانون الثاني.

إنّ الاحتفال بهذا الحدث في 14 كانون الثاني كان له طعم مرير لثورة لا يمكن أن تحصل على كل ما وُعدت به. لأن الناس حتى لو اكتسبوا حرية لا يمكن إنكارها، إلا أنهم خسروا أيضاً نوعية الحياة.

قبل أسبوع من هذا الاحتفال، يوم 8 كانون الثاني، ظهر استياء اجتماعي كبير في العديد من المدن المحرومة في وسط البلاد من خلال احتجاجات عنيفة.

بعيداً عن المطالب السياسية لعام 2011، كانت كلمة السر في الاحتجاج هي تدابير التقشف وارتفاع أسعار السلع التي فرضها القانون المالي الجديد، والذي طالب المتظاهرون بإلغائه.

إن وفاة أحدهم في طبربة على بعد 30 كيلومتراً غرب العاصمة، قد ألهب الموقف وأدى إلى تعبئة الآلاف من المتظاهرين الذين تجمعوا في كل ليلة، مما تسبب في وقوع عدّة اشتباكات مع الشرطة.

لقد اختارت السلطات الطريقة الأقسى بهدف منع الحركة من الانتشار إلى البلاد. خلال 4 أيام من التظاهرات، ووفقاً للأرقام الصادرة عن وزارة الداخلية، فقد تم إلقاء القبض على 780 شخص بتهمة السرقة والنهب والحرق المتعمد وقطع الطريق.

إن عودة الأمور لأيد أمينة، مصحوبة بتدابير حكومية لصالح الأسر الأكثر فقراً، قد قلّل من حدة التوتر. فالتدابير الدورية التي اتُّخذت تحت ضغط الأحداث، كانت من أجل هدف وحيد وهو تهدئة النفوس، على أمل السيطرة أيضاً على الانزلاق الناتج عن أمور لا يمكن التنبؤ بها.

حتى لو هدأت الحالة، لكنها تبقى هشّة لأن الضرر عميق.

في الواقع، منذ عام 2011 والبلد في حالة أزمة دائمة، نتج عنها حالة عدم استقرار وحركات اجتماعية متكررة، غالباً ما يتخللها عنف وتجاوزات.

إن هذا الغضب هو دليلٌ على يأس السكان الذين يواجهون آثار الأزمة السياسية والاقتصادية المتنامية، التي أدت إلى استمرار تدهور الأوضاع المعيشية، إلى جانب زيادة غير مسبوقة في معدلات البطالة والفقر.

بعد سقوط النظام القديم اتخذت الديمقراطية مكاناً في الخطة التابعة للمؤسسات من تجديدٍ للبرلمان وأول انتخابات حرة ودستور ديمقراطي حقيقي، ومع ذلك، فمن حيث مفهوم الكرامة والعدالة الاجتماعية، كانت آثار الثورة أقل وضوحاً.

 

إنّ الانطلاقة الاقتصادية بطيئة في تونس التي تواجه صعوبات مالية. وعدم الاستقرار يجعل المستثمرين يفرون، في الوقت الذي تدفع فيه ثمناً باهظاً نتيجة الإرهاب الذي سبّب تراجعاً في السياحة. نشهد نتيجةً لذلك زيادةً في أسعار المواد الاستهلاكية وزيادةً في البطالة وانخفاض القوة الشرائية التي يصحبها فقر شديد، فضلاً عن انخفاض قيمة العملة الوطنية.

في عام 2016، حصلت على قرض جديد بما يعادل 2.4 مليار يورو من صندوق النقد الدولي الذي يسيطر أيضاً على السياسة الاقتصادية والنقدية لتونس. فهي تلتزم بإعادة هذا القرض والحد من العجز الحكومي والإصلاحات الاقتصادية.

فسياسة إعادة الهيكلة والخصخصة التي يفرضها الشركاء الدوليّون، تناقض المثل العليا للعدالة الاجتماعية والمساواة التي طالبت بها هذه الثورة تناقضاً تاماً.

ولو تغيرتم تغيير الأشخاص، فالسياسات الاقتصادية والدبلوماسية للنظام القديم مستمرة، بما في ذلك سياسة تشجيع الاستثمار الأجنبي واتفاقية التجارة الحرة الكاملة والعميقة الكارثية (ألكا) مع الاتحاد الأوروبي، مما يمهد الطريق أمام  “إعادة الاستعمار الاقتصادي” الحقيقي للبلاد.

فالناس هم الذين أضعفوا الطابع الصناعي للبلاد والسيطرة الأوروبية على الثروة البشرية والمادية في تونس، فضلاً عن القطاعات الأكثر ربحاً في اقتصادها.

إن الديمقراطية تمثل في الواقع عائقاً أمام المستثمرين الدوليين الذين لا يؤيدون احترام القانون، لأنه يحدّ من هوامش ربحهم من خلال إرغام رأس المال على احترام العمل: شروط ممارسته وصحته ونقاباته… وخاصة الجزء من الأرباح المحققة والعائدة.

لكنّ أصول الأزمة داخلية أيضاً، مع النخب الحاكمة العاجزة مثل سجناء الكفاح السياسي المبعدين عن القضايا الراهنة.

وبالنسبة للدبلوماسي السابق أحمد بن مصطفى، فإن “التحول الديمقراطي والاقتصادي قد فشل في الوقت الحاضر بسبب التدخل الأجنبي والعربي المؤيد لظهور الأحزاب السياسية القريبة من النظام القديم المتناغم مع المصالح الأجنبية”.

لكن هذا الشلل في النخب الحاكمة يعود أيضاً إلى النظام المؤسساتي الساري الذي يضمّن تمثيلاً أفضل للقوى السياسية، وفي الوقت نفسه يجعل من المستحيل وجود حزب الأغلبية ويؤدي إلى تفتيت التمثيل السياسي.

وبالتالي، فإن الدولة التونسية، ناهيك عن التهديدات السياسية والأمنية التي تؤثر عليها، فهي تواجه أزمة اقتصادية ومالية خطيرة مقترنة بمديونية مفرطة لا يمكن السيطرة عليها، مما يعرض سيادتها ومستقبلها للخطر.

في الوقت الراهن، تم تهدئة المظاهرات والعنف، ولكن الغضب الشعبي لا يزال قائماً ولا تزال النار مشتعلة.

 

 

يقف حزب ضد الصهيونية مع الشعب التونسي في هذا الوقت العصيب، ومما لا شك فيه فإنّ تونس ستواجه تحديات مقبلة.

بعد أن وُجدت الشجاعة للتحرر من نظام بن علي من خلال ثورتها التاريخية، فمن المؤكد أن أطفالها سوف يجدون الوسائل للسماح لهذا البلد باستعادة استقلاله، وتحديد الخيارات الاقتصادية والدبلوماسية من أجل خدمة مصالح هذا الشعب.

وكما قال الرئيس ماكرون في زيارته لتونس: “إن الربيع العربي لم ينته” ولكن ليس للأسباب التي يتصورها. فالواقع أنّ هذا التحول الديمقراطي سيكتمل عندما يتخلص التونسيون من مستغليهم، وعندما يتحرّرون تماماً من السيطرة الأجنبية على اقتصادهم.

فهذا الشعب يؤمن بأنّ الحرية والكرامة غير قابلتين للتفاوض.

 

Commentaires