مرّة أخرى يُتّهم فيها الجيش البريطاني بجرائم حرب

كان من المتوقع أن ينتهي غزو القوات الأمريكية / الناتو لأفغانستان التي بدأت عام 2011، في عام 2014.

لكنه على ما يبدو مازال مستمراً حتى الأشهر الأخيرة، كما يتّضح من الاشتباكات المستمرة بين قوات الاحتلال ومختلف الجماعات المسلحة المحلية (طالبان وغيرها).

رسمياً، أنهى التحالف الأطلسي مهمته القتالية في نهاية عام 2014، وبقي جنوده اليوم من حيث المبدأ على مهمة التهيئة والإرشاد. لكن يبقى عدد قليل من الجنود المكلّفين بعمليات ضد طالبان والدولة الإسلامية.

يبلغ العدد الإجمالي لأفراد الناتو العسكريين المنتشرين في البلاد اليوم 14 ألف جندي، من بينهم 400 8 أمريكي في إطار عملية ما يسمى بالدعم القوي الذي هو في الواقع احتلال غير قانوني لدولة ذات سيادة، بحضور ائتلاف يضم 38 دولة من بينهم معظم أعضاء الناتو الذين يبلغ عددهم 29.

ومن بين جنود الاحتلال 500 جندي بريطاني مسؤول عن توفير الأمن في كابول وتدريب ضباط محليين، تحدثوا عنهم مؤخراً.

وفي الواقع، كشفت صحيفة “التايمز” البريطانية عن تحقيق قامت به وزارة الدفاع البريطانية حول جرائم الحرب التي ارتُكبت في أفغانستان في الفترة ما بين 2010-2013.

وقد أجرت الشرطة العسكرية تحقيقاً تحت اسم “عملية نورث مور” منذ عام 2014 وقابلت خلاله مئة ضابط.

كما ذكر التحقيق بأنّ وكالة المخابرات البريطانية قد أعدّت وثائق من أجل تحميل الجيش الأفغاني مسؤولية مقتل المدنيين العزّل. بالإضافة إلى ذلك، نرى من خلال تسجيلات الفيديو المتوفرة لدى المحققين أنّ الجيش البريطاني أطلق النار على الأفغان العزل.

ونقلت الصحيفة عن مصادر عسكرية قولها بأن جنرالات وزارة الدفاع وصفوا هذه الأدلة بأنها “مهمة وخطيرة جداً” وأكدوا على  أنه من المحتمل أن تتسبّب “بكارثة للحكومة”.

وذكرت صحيفة “التايمز” بأنّ وزارة الدفاع تخطط لإخفاء هذه المعلومات عن الصحافة لأنها تعتقد أن نشر تفاصيل جرائم الحرب هذه يمكن أن تضر بالأمن الوطني والتعاون مع الحلفاء.

وردّاً على هذا الموضوع، رأت المتحدثة باسم الدبلوماسية الروسية ماريا زاخاروفا، بأنّ وزارة الدفاع البريطانية تحاول التأثير على التحقيق.

فقد صرّحت في مؤتمر صحفي عقد في موسكو: “نحن مندهشون من طريقة رد الحكومة البريطانية على هذه الاكتشافات المروعة. فقد ذكرت مصادر ساندي تايمز بأن القيادة العسكرية في البلاد تعتبر بأن الوقائع المذكورة في التحقيق “خطيرة للغاية”. وكمحاولة لتجنّب الفضيحة، تحاول وزارة الدفاع البريطانية السيطرة على الوضع من خلال التأثير على سير التحقيقات”.

إنّ الصراع الأفغاني، الذي لا يذكر عنه إلا القليل، فيه وفقاً لتقديرات معهد واتسونفي آب 2016، أكثر من 31 ألف ضحية من المدنيين، في حين أن خسائر قوات التحالف الدولي أكثر من 3535 جندي وحراس من الأمن أو مستشارين.

ليست هذه المرة الأولى التي يُتهم فيها جنود صاحبة الجلالة بجرائم حرب في السنوات الأخيرة.

في الواقع، تجدر الإشارة إلى أن صحيفة “الغارديان” كشفت في عام 2008 النقاب عن الفظائع التي ارتكبها الجيش البريطاني في جنوب العراق في آذار 2004، عندما قام جنود فوج أمير ويلز بتعذيب وتشويه وذبح 20 مدنياً عراقياً.

في ذلك الوقت أيضاً، كانت السلطات البريطانية قد فعلت كل شيء لإخفاء القضية.

وبعد سنوات قليلة، في عام 2014، كشفت صحيفة “الاندبندنت” عن وثيقة “دامغة” بعنوان “مسؤولية المسؤولين البريطانيين عن جرائم الحرب التي تنطوي على الإساءة الممنهجة للمعتقلين في العراق بين عامي 2003-2008″، وقد تم تقديمها إلى المحكمة الجنائية الدولية، ويمكن أن تؤدي لمقاضاة بعض قادة الدفاع البريطانيين لارتكابهم جرائم حرب “منهجية”.

جمعت بيانات مثيرة للصدمة من شهادة أربعمائة من العراقيين تمثل “الآلاف من الشهادات عن سوء المعاملة ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والتعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو اللامهينة”.

وأضاف التقرير بأنّ هذه الأعمال الوحشية قد تفاقمت بفعل “عدم المتابعة أو المساءلة لوقف هذه الممارسات التي أدت إلى مزيدٍ من الإساءات والنتيجة المنطقية هي أن هذه الانتهاكات كانت منهجية”.

حزب ضد الصهيونية يشعر بالغضب إزاء الكشف عن جرائم الحرب هذه التي ارتكبها الجيش البريطاني في أفغانستان.

جيش بلد يفترض أنه “متحضر”، ويسمح لنفسه بإعطاء الدروس عن “حقوق الإنسان” والديمقراطية لشعوب الشرق الأوسط التي يسرقها ويحتلها ويعذبها.

لا أحد يشكّ في أنّ هذه الاكتشافات ليست سوى غيض من فيض من الانتهاكات والجرائم التي ارتكبها الجيش الأمريكي والبريطاني في العراق وأفغانستان.

ولا تزال قائمة هذه الجرائم تكبر، مما يكشف عن الطبيعة الحقيقية لمن يتظاهرون بالدفاع عن حقوق الإنسان.

التعذيب واغتيال المدنيين والنهب ودعم الجماعات الإرهابية: هذا هو سجل الاحتلال الأنجلوسكسوني في العراق وأفغانستان.

دعونا نأمل بأن توقظ هذه الوقائع بعض السذَّج الذين لا يزالون يعتقدون أن المذابح وجرائم الحرب هي من امتيازات المسلمين (المزيّفين)، متناسين أن جميع سجلات القتل الجماعي والتعذيب يحتفظ بها الرجل “المتحضّر” الغربي منذ عدة قرون، وحتى اليوم.