“الربيع العربي” يهدّد لبنان

مظاهرة ضد "أزمة القمامة"، والتي استمرت لمنتصف يوليو (بيروت، 2015/10/23).
مظاهرة ضد “أزمة القمامة”، والتي استمرت لمنتصف يوليو (بيروت، 2015/10/23).

منذ منتصف يوليو، ولبنان يواجه ما يسمّى بـ “أزمة النفايات”، أزمة صحيّة غير مسبوقة، بسبب انتهاء أراضي مقالب القمامة في البلاد واستحقاق عقود الشركات المسؤولة عن جمع القمامة. ومنذ ذلك الحين، شهدت البلاد العديد من تجمعات القمامة المتزايدة والتي تشكل خطراً على الصحة والبيئة ممّا زاد من سخط المواطنين على الدولة، المتهمة بالفشل في مسؤوليتها في توفير هذه الخدمات الأساسية.

أدّى الاحتجاج الي أحداث مدنية كبيرة ومنتظمة منذ أغسطس/ آب الماضي، والمطالب الاجتماعية تتطوّر الآن إلى مطالب أكثر وضوحاً تشمل النظام السياسي اللبناني، المتهم من غير فراغ، بالفساد على نطاق واسع.

وأمام هذه التطورات، عبّرت العديد من الأصوات عن قلقها من الاستغلال السياسي لهذه الازمة لصالح أجندات غربية، كما في حالة اطلاق أسماء مستعارة كـ “الربيع العربي” على حالة المطالبات المشروعة للبنانيين.

في الواقع، إنّ أزمة القمامة ما هي إلّا غيض من فيض وليس هنالك من شك في أنّ البلاد تشهد حالة كارثية على جميع الأصعدة: حكومة غير فعالة، فاسدة ومنقسمة (لم يستطع الطرفان على الاتفاق على رئيس سياسي فيما بينهم، منذ مايو ٢٠١٤)، البنية التحتية في طريقها للانهيار، مع انقطاع مستمر للمياه والتيار الكهربائي، والنقل العام غير موجود تقريباً، والمساحات الخضراء غائبة تقريباً، ناهيك عن كارثة النظامين الصحي والتعليمي، أو فشل الضمان الاجتماعي والتقاعد. الوضع الاقتصادي حساس مع معدل فقر يصل الى ٣٢%، الدين العام الذي يصل الى 150% من الناتج المحلي الاجمالي، والاقتصاد الذي يعيش تحت ظل ضخ المنح الخارجة للأحزاب السياسية، والتي في دورها تعيد توزيع جزء منها الى مجتمعها. ومن المفارقة أن لبنان هو البلد الذي يضم أكبر عدد من المليارديرية للفرد الواحد، يعاني فيه عامة الناس من بؤس الفقر.

ما زال الوضع الأمني محفوفاً بالمخاطر مع استمرار التهديد الدائم للكيان الصهيوني، هذا من جانب، ومن جانب آخر، وجود الجحافل التكفيرية المستعرة في سوريا، والتي كانت من الممكن أن تكون في لبنان لولا بطولة المقاومة التي تقوم بحمل هذه المهمة الحساسة والنبيلة للدفاع عن التراب الوطني.

وبالتالي إنّ الاحتجاجات لديها مطالبات مشروعة جداً، ولا شك أنّ الغالبية العظمى من المتظاهرين هم مواطنون أصليون “غاضبون”. لكن من الواضح أن الآخرين تمكّنوا من دس الاحتجاجات بنجاح وتعاملوا معها بمختلف السياسات سواء المحلية أو الأجنبية. وقد تبيّن أنّ الوضع هو ذاته كما حدث في البلدان الأخرى فيما يسمّى “بالربيع العربي” : ففي البداية كانت الرغبات الشرعية للإصلاحات السياسية والاجتماعية، تبعتها تسلل مجموعات سياسية غير قيادية تتفق مصالحا مع مصالح البلدان الغربية في المنطقة.

والدليل على ذلك خلال الأسابيع الأخيرة حيث جرت عدّة إستفزازات من قبل بعض المتظاهرين الذين يهدفون للتطرف بحركتهم مما يؤدي إلى توليد العنف، الأمر الذي أثار ردود فعل بعض السياسيين والمسؤولين المعنيين بوحدة البلاد بما فيهم العماد ميشيل عون زعيم التيار الوطني الحر (التيار الوطني الحر) والذي دعا إلى اليقظة لمكافحة التلاعب خشيةً من الربيع العربي الذي كان جحيماً للعرب“.

وفي الوقت نفسه أكد حزب الله دعمه للشعب وجميع وسائل مكافحة الفساد، في حين حذّر من الإفراط في الحركة الاحتجاجية. ودعا الى التمييز طالباً عدم اتهام الطبقة السياسية برمتها ولكن فقط الفاعلين الحقيقيين لهذا الوضع.

وهكذا، يبدو أنّ مقومات “الربيع اللبناني” أصبحت مجتمعة، والذي يبشر بالخطر المستقبلي لبلاد الأرز، التي تواجه بالفعل العديد من التهديدات. في الواقع، لا حاجة إلى أن يكون هناك تحليل مهني للتنبؤ بأنّ “الربيع اللبناني” سوف يتسبّب في انهيار كامل للدولة، مثل غيرها من الثورات العربية المشابهة، فإنّ ذلك سيؤدي إلى حالة من الفوضى، والتي سوف تفيد داعش الذي يمكن أن يحتل جزءا هاماً من الأراضي، وخاصة مؤسسوها الأمريكيين الصهاينة، الذين يسعون لتحقيق حلمهم في إقامة شرق أوسط جديد، يرتبط الى حد كبير بمصالحهم.

حزب ضد الصهيونية يتمنّى على اللبنانيين اليقظة ضدّ محاولات التلاعب الغربي وعدم الخضوع لإغراءات التقسيم التي ستضع البلاد تحت وطئة النار والسيف.

مثال على الجار السوري المدمّر، يجب تهدئة حماس الثوّار المتطرّفين. كما تكفي مشاهدة الفوضى التي أغرقت البلاد، حيث صارت ضمن ألقاب “الثورات العربية”، لفهم الحاجة إلى العمل من أجل إيجاد حلول معقولة لهذه الأزمة الاجتماعية والسياسية، على غرار المصلحة العامة والحفاظ على وحدة البلاد.

حزب ضد الصهيونية وضع كلّ ثقته في يقظة المقاومة (وحلفائها)، الذين يواجهون دائماً العديد من التحديات التي يفرضها التلاعب الصهيوني، وكان قادراً على هزيمتها.

Yahia Gouasmiيحيى القواسمي

رئيس حزب ضد الصهيونية