حالة الطّوارئ وحقوق الإنسان

Etat-d-urgence-la-France-derogera-a-la-convention-europeenne-des-droits-de-l-Homme_article_popinمنذ المأساة التي حصلت في 13 تشرين الثاني، دخلت البلاد في ظل حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر (ونحن نتوقّع تمديدها مسبقاً)، مع دعم هائل من المسؤولين المنتَخَبين والسّكان المصدومين.

هذا النظام الاستثنائي الذي يسمح بتحرير القوّات المسلّحة والشرطة من سيطرة القضاة باسم مكافحة الإرهاب، هو أبعد ما يكون عن الأمر التافه. فهو يعزّز البيئة الآمنة ويهيّئ العقل كي يكون مستعداً لتلقي أي اقتراح من قِبَل الجمهوريّة الاستبداديّة والشرطة. لقد شهدنا بالفعل تجاوزات لهذا القانون في وقت مبكر، حيث أنّه تحت ذريعة الدفاع عن المواطنين، تم تقييد حرياتهم بشدّة.

وعلى الرغم من ديكتاتوريّة المشاعر والصم عن أي انتقاد، بدأت تُسمَع بعض الأصوات من أجل تنبيه الرأي العام إلى المخاطر التي من الممكن أن تؤدي إلى استدامة الوضع.

بغضّ النظر عمّا يقال، فإنّ حالة الطوارئ تعني تعليق سيادة القانون، ووضع المبادئ والضوابط الدستوريّة التي يستند إليها جانباً.

إنّ إجراءات الطوارئ المطبّقة حاليّاً في جميع أنحاء البلاد، مُعرّفة بالقانون الصادر في نيسان 1955، وكان قد تمّ التصويت عليها تاريخياًّ من أجل التعامل مع أحداث تتعلّق بحرب الجزائر. هذا الشكل من حالة الطوارئ ينطوي على تقييد الحريّات، ووفقاً للقانون:

“يُعطي للسلطات المدنيّة في المنطقة الجغرافية التي يطبّق فيها هذا القانون، سلطات شرطة استثنائيّة لتنظيم تنقّل وإقامة الأشخاص، وإغلاق المساحات العامّة المفتوحة والاستيلاء على الأسلحة“.

وفقاً لقانون حالة الطوارئ، فإنّ القوى المتاحة للسلطة التنفيذية عديدة ولم تعد تخضع لرقابة القضاء.

وهكذا، تنص المادة 5 على أن يتم إعطاء السلطات الثلاث إلى المحافظ: لحظر حركة الناس والمركبات في أماكن وأوقات محدّدة بمرسوم، وإنشاء، بأمر محدّد، مناطق حماية أو حيث تكون سلامة الناس المقيمين منظّمة؛ وحظر إقامة كلّي أو جزئي لأي شخص يسعى بأي شكل من الأشكال لعرقلة عمل السلطات العامة. وتنصّ المادة 6 على الإقامة الجبرية التي قد يقرّرها وزير الداخلية، وبموجب المادة 8 يمكن للوزير والمحافظين أن يأمروا بإغلاق مؤقت لبعض الأماكن (مسارح، حانات قاعات اجتماعات الخ ..). بموجب المادة 11 فإنّ المحافظ يمكن أن يأمر بعمليّات تفتيش للمنازل ليلاً ونهاراً، واتخاذ أية تدابير للسيطرة على الصحافة والمطبوعات بجميع أنواعها … إنّ هذه الصلاحياّت الاستثنائية من الحكومة الخبيثة يمكن أن يؤدي إلى وضع كارثي لديمقراطيّتنا.

وعلاوةً على ذلك، فإنّ الانجرافات الأولى دليل على ظهور تجاوزات في أثناء عمليات الشرطة. وقد ذكرت بعض وسائل الاعلام عن حالات إقامة جبريّة “مسيئة” بحق ناشطين في مجال البيئة قيل بأنّهم يمثّلون “خطراً على أمن الدولة”.

ونقلت أيضاً عن اعتقالات لإظهار العضلات لإسلاميّين أو مزيد من الزلل من رجال الشرطة تجاه المواطنين دون أي نشاط تشدّدي. هذه الأمثلة تتعلّق بجزء من المجتمع المدني والطبقة السياسية، الذين يشكون من حالة الطوارئ التي فُرِضَت تحت ذريعة مكافحة الإرهاب، لكونها أداة لإسكات المعارضين لسياسة الحكومة وتجريم الحركات الاجتماعيّة.

هناك أيضاً تساؤلات حول فعاليّة سبل الانتصاف الإداريّة لمنع إساءة استخدام السلطة، وحتى على المستوى الأوروبي، كما يتضح من قرار الحكومة إبلاغ المجلس الأوروبي بأنّ فرنسا سوف تقوم “بالانتقاص من الاتفاقيّة الأوروبيّة لحقوق الإنسان” بسبب حالة الطوارئ: الهدف من هذا الأسلوب هو الحماية من إدانة ممكنة من قِبَل المسار الأوروبي لحقوق الإنسان.

إن أسباب الإرهاب عميقة ومعروفة، وحالة الطوارئ لن تكون مجدية لمكافحته، وخاصّة أن الترسانة التشريعيّة الفرنسيّة هي أكثر من كافية لمحاربة الجهاديّة فيما يتعلّق بالأشكال الإجرائية لسيادة القانون.

نذهب إلى التشريع الثالث لمكافحة الإرهاب خلال 3 سنوات، فالتشريعين السابقين لم يمنعا مأساة 13 تشرين الثاني. وعلاوة على ذلك، لم يُثبِت أي رد فعل في قانون الطوارئ تجاه الأعمال الإرهابيّة حتى الآن أي فعاليّة (قانون باتريوت الأمريكي، القوانين الخاصّة في مصر، حالة الطوارئ في الجزائر خلال العشرية السوداء). ومع ذلك، فقد أدّى كل منهم إلى انتهاكات جسيمة وأحياناً منهجيّة لحقوق الإنسان، وفي كثير من الأحيان إلى إفلات تام من العقاب.

وكما جاء في كتاب ذات صلة وثيقة بالاتحاد الدّولي لحقوق الإنسان : “إنّ قبول نكسة خطيرة لسيادة القانون يعود على المدى المتوسط أو القريب ​​على تقبّل الوقوع في جمهورية استبدادية وذلك مع العلم بهذا الشيئ.”

المسألة هنا ليست فقط معركة أساسيّة ضد الإرهاب ولكن التوّسع الخطير لسلطات الدولة دون أي ضمانات قضائية، والذي يسبب إتاحة وسائل استثنائية، من الممكن تعبئتها من قبل الآخرين لأغراض أخرى غير مكافحة الإرهاب، وربما تخدم في نهاية المطاف عمليات خنق أي حركة اجتماعية و/ أو احتجاج.

يشعر حزب ضدّ الصّهيونية بالقلق إزاء الانحراف الاستبدادي الذي يهدّد ديمقراطيّتنا، ويدعو الحكومة إلى إعادة تجمعهم من أجل عدم التضحية بحرياتنا وسيادتنا القانونية تحت ذريعة مكافحة الإرهاب.

يجب على الفرنسيين أن يدركوا أنّ هذه اإجراءات ليست فقط بسبب القلق من المسلمين المتشددين، حيث أنه يمكن بسهولة أن تمتد هذه التدابير إلى ذرائع أخرى ومنع أي تحدٍ للنظام القائم.

“إنّ الشّعب المستعد للتضحية بقليلٍ من الحرية من أجل قليلٍ من الأمن لا يستحق أيّاً منهما، وينتهي بهم المطاف أن يخسر الاثنين معاً”.

yahia_gouasmi_05-300x200يحيى القواسمي

رئيس حزب ضدّ الصّهيونية